السبت، 9 يوليو 2011

دار سعد العطار - قصة قصيرة


قصة قصيرة للدكتور سمير محمد البهواشى
كتبت عام 1984
فى البداية كانت الكلمة ...كلمة فى لعبة .. تلك التى لا تلعب الا اذا أتى الليل وأتى معه القمر .. الانفجار المروع داخل النفس هدم كل ما بنته السنون من قناعات كاذبة وأحلام ...نعم أشعلت النار التى أكلت كل الماضى وتفرغت لذلك الحاضر تصهره وتذيبه تماما كالحديد الخردة عندما تصهره النار فيتحول الى خبث والى حديد صلب يلين ولكن لا ينكسر ..
واللعبة تقضى أن يتحسس أحد الاطفال بقدمه الحافية جدارا ما ... قد يكون جدار منزل .. وغالبا ما يكون .. وقد يكون سورا حول حديقة .. اذا كانت هناك حديقة وقد يكون عربة المجلس البلدى المخصصة للماء القذر والواقفة فى الشارع ... او حتى جذع شجرة ... واللاعب يتحسسها وهو مغمض العينين ، يتولى إغماضهما أحد الاطفال بعد ان يحمله آخر على عنقه ويتولى هو تطويق عنق الطفل الموكل بإغماضه بكلتا يديه .. هو على ذلك يشبه النعش المحمول على كتفين.. ولكن نعش متكلم !! واللعبة كما هو واضح لا يلعبها الا الحفاة .. هؤلاء الذين لا يتحسسون الاشياء الا بأرجلهم ويطيب لهم التدرب على امتيازات العمى ومكفوفى البصر رغم ان الله رزقهم حدة النظر وسلامة العينين .

والى هنا كل شيئ يبدو طبيعيا ولا غرابة فيه .. وأى وجه للغرابة يكمن فى لعبة من مئات اللعب التى يلعبها الاطفال فى كل مكان ببراءة وحسن نية ؟؟..

حتى هذه الليلة البعيدة والموغلة فى البعد لم تكن هناك غرابة ، فسعد دائما يحمل عبد المنعم ، ومحمد يتولى اغماضه ، ويتجول كل منهما بعبد المنعم على جدران البيوت .. كل البيوت ، وهم لا يضعون قدمه على اول جدار يقابلانه اذ من السهل والبديهى ان يعرف على جدار اى بيت وضعت قدمه فهو من سكان الشارع ويحفظ جيدا ترتيب البيوت واتجاهاتها وعلى اى بعد من مكان البداية هو الآن ..وحتى يضلللانه فهم يدورون به قليلا فى دائرة حتى يدوخوه فلا يعرف اذا ما أرادوا الاتجاه الى بيت أحدهم وهم كثير اى الاتجاهات اتخذوا وكثيرا ما كان يخطأ وقليلا ما كان يصيب ..فالبيوت كل البيوت تقريبا مطلية بالطين المخلوط بالتبن او متروكة بلا طلاء الا بيتا او بيتين كانت مخرفشة خرفشة ذلك الاسمنت المرشوش فكان التعرف عليها سهلا وميسورا وطبعا اذا لم يستطع الطفل التعرف على صاحب الجدار نزل عن الاكتاف وحل غيره مكانه ..وكان السؤال عبارة عن ثلاث كلمات : حيطة مين دى ؟؟

وكانت اجابات الاطفال لا تتعدى واحدة من هذه الاجابات .. حيطة عبد المنعم أو أحيانا حيطة عم يوسف والد عبد المنعم وصاحب البيت .. او حيطة سليم او حيطة حضرة الناظر او حيطة زهرة او جد عبد النبى او حيطة سعد واحيانا العطار والد سعد الطفل الذى كان حتى هذه الليلة جريئا شجاعا ضحوكا لا يخاف من عين الحاج منصور ذلك العجوز الذى ناهز الثمانين وبه قتب ولحيته كلها بيضاء حتى جفون عينيه كانت كلها بيضاء ورموشه ايضا رغم حمرة عينيه ، والحاج منصور هذا لم يفكر منذ ان وعاه الاطفال ان يغير هذا الجلباب الاسود المملوء ببقع الزيت وغيره وهذه العصا الطويلة التى تجعله يبدو بجوارها وهو يمسكها من المنتصف بيده اليمنى قصيرا ضئيلا نحيفا وجلبابه الاسود القصير والقصير اكثر من الظهر حيث تساعده على ذلك انحناءة القتب تكشف عن كعبين متشققين جافين وبلغة كانت من قديم الزمان سمنية اللون ناعمة الملمس بدون رقع او لوز اما الآن فهى بقايا بلغة فالنعل مفتوح من أسفل واللون بلون أشياء كثيرة كالطين والرمل والاوساخ وأشياء أخرى لا أعرفها ولا داعى لذكرها هنا . والملمس لا يختلف كثيرا عن ملمس جلد الرجل وكعبيه المشققين وأظافره الطويلة السميكة التى تطل من بوز البلغة ..والتى كان أشرف للرجل وأحفظ لقدمه الا يلبسها ولكنها على ما يبدو كانت من سمات شخصيته المميزة ..

وهذا الرجل .. الحاج منصور هو زوج زهرة التى اشتهر البيت باسمها لا لانه ملكها ولكن لانها كانت دائمة الجلوس امامه وحولها حلقة سوداء من جاراتها النسوة وكان يحلو لها دائما ان تزجر الصبية كلما حاولوا اللعب امام بيتها وأحيانا كانت تسلط عليهم الكلبة السوداء المسعورة .. كلبة زهرة كما كان يسميها الاطفال وهى كزوجها عجوز لا تحب الخير لا لنفسها ولا لغيرها وبلغ من حقدها على الآخرين والآخرين هؤلاء لم يكونوا بشرا فقط وانما حيوانات ايضا قلت بلغ من حقدها انها سمعت ان الكلب الابيض الضخم الذى تربيه مع الكلبة السوداء قد والف على كلبة تربيها ام الخير .. وام الخير هذه ليس لها ابنا يسمى الخير ولا هى تعرف حتى الخير ولكن لم يكن ذنبها ولا ذنب ابويها عندما سموها هكذا فمن منا يعرف الغيف انما هى ام عبد المنعم

وعلا صوت ام الخير فى الشارع تنادى زهرة الجالسة امام البيت وسط حلقة سوداء من جاراتها : شوفى ياست زهرة الكلب بتاعكم سايب كلبتكم وموالف على كلبتنا

ومن يومها أقسمت لا بد ان تخصى الكلب وبيدها وفعلا حدث وأمضى الكلب باقى عمره مخصيا يرى الكلبات وجمال الكلبات ويهز ذيله فقط وهو بارك على الارض وباسط ذراعيه امام بيت زهرة

وسعد لم يكن يخاف من عين زهرة او زوجها الحاج منصور وان كانت امه ترقيه كل مساء قبل ان ينام واذا حدث وعرفت ان الحاج منصور او زهرة لمحت عيونهما ابنها سعد فانها تجرى الى ورقة قرطاس السكر وابرة الخياطة وتقص الورقة على هيئة رجل او امرأة وتمسك بالابرة وتظل تثقب الوجه خاصة العينين وهى تتمتم رقيتك من عين فلان وعين فلان وهكذا حتى تستحيل الورقة كالمنخل الحرير بعد ذلك تلقى بالورقة فى نار الكنون وتطمئن ؟؟

وحتى هذه الليلة لم يكن حسن يلعب معهم وحسن حفيد الحاج منصور وسعد يعرف من امه ان حسن هذا طالع لجده عينه وحشة ولا يحب الخير لأحد ما تلعبوش معاك ولا تلعبش معاه ...

ولكن هذه الليلة ليلة مفترجة انها وقفة العيد الكبير والقمر مازال غير مكتمل ولكن نوره انسكب على الارض كل الارض وعلى الجدران كل الجدران فطلاها جميعا بطلاء فضى جميل

وحسن لم يكن دائم اللعب معهم فهو يسرح بالغنم نهارا وينام ليلا اما هذه الليلة فغدا عيد ولن يسرح بالغنم فى الصباح ثم ان جدته تدق الكبيبة وهو لن يستطيع النوم وسط هذا الدق وغمرت الاطفال نفحة من نفحات العيد ووافقوا ان يلعب معهم حسن هذا ..

وتلمست قدم سعد جدار بيتهم وقال حيطتنا وتلمست قدم عبد المنعم جدار بيت سعد وقال حيطة سعد وتلمست قدم محمد واحمد وعدلى وغيره وغيره وكلهم يقول كما يحدث كل ليلة حيطة سعد او حيطة العطار الى جاء دور حسن وتلمست قدمه جدار عبد المنعم فأخطأ وقال حيطة الحاجة ومرة اخرى أخطأ فى بيتهم انفسهم بيت زهرة ولكن لسوء الحظ عندما تلمست قدمه هذه المرة حائط سعد الذى كان يحمله فوق كتفه قال حيطة الحلوجى فصاح سعد فرحا غلط غلط حسن بيألف لا هو فيه فى الشارع ولا حتى البلد كلها انسان اسمه الحلوجى .. انزل يا حسن

ولكن محمد لم يفك اغماضة حسن وامر سعد الا ينزله من فوق اكتافه اذن محمد يوافق على اجابة حسن ويعرف انها دار الحلوجى ...

وبهتت الفرحة التى كست وجه سعد وبدى لعينه ان القمر يبكى وانه انسحب من سماء الدنيا ومن خلفه هذه النجمات القليلة فى موكب حزين الى الدار دار سعد العطار ..

وفى وسط الدار اتى القمر وأتت النجمات الصغيرة حوله وأخذت تتلصص من خلال الاوراق الكثيفة لشجرة التوت العتيقة وهناك بجوار جذع الشجرة وبالتحديد بجوار الزير الضخم الموضوع بالقرب من الجذع كانت تجلس امه وعلى فخذها اخته الصغرى تمتص لبن الحياة من صدر امها فى نشوة ونهم وعلى بعد امتار قليلة كان ابوه راقدا على ظهره فوق الحصيرة الجديدة حصيرة العيد وكان شخيره عاليا ومن العجيب انه كان فعلا يغط فى نوم عميق رغم كل هذا الدق فى الهون التى أحاطته ام سعد بقدميها وأخذت تدق الارز واللحمة والى جوارها ابنة أخيها منهمكة فى تكبيب الكبيبة ..

ورغم هذا الدخان الخانق المنبعث من الكانون المشتعل تحت الحلة النحاس الكبيرة التى تحوى عظمة القرص التى كان يحبها والتى تحتاج الى ساعات وساعات فوق النار حتى تنضج وبالرغم من هذا الضوء الفضى المتلصص من خلال اوراق الشجرة الكثيفة والساقط مباشرة فوق عينى الرجل فانه نائم بل ويغط فى نوم عميق ..

وسعد رأسه فوق صدره بعد ان أنكمشت عنقه الطويلة فأصبحت فى حجم السمسمة جلس امام امه على الارض واخذت اصابعه تتلاعب بالحصى المجاور له يتناول الحصوة ويقذفها من خلف ظهره وكأنه يقذف كل الكلام الحلو الذى سمعه قبل ذلك من أبيه وأمه ومن كل الناس كأنه يقذف حجارة هذا البيت الذى انهدم الليلة وانهدمت معه أحاسيسه الحلوة أن هناك شيئا يملكه

فعبد المنعم كان يباهى انهم يملكون جاموسة وحمارا مسرجا وتسعة قراريط واحمد يقول ان والده يملك محل قماش فى السوق اكبر منطقة تجارية فى البلد وعدلى ابوه يملك دكان بقالة وحسن حتى حسن يباهى ان جده يملك مائة نعجة وكلبا ابيض وكلبة سوداء وسعد كان يقول ان والده بالرغم من انه يبيع العطور فى الجامع الكبير الا انه يملك هذا البيت الواسع الكبير بشجرة التوت العتيقة وتكعيبة العنب والحوش الذى يلعب فيه الكرة مع اولاد خاله

والذى احزن سعد ويحزنه وهو جالس هكذا منكس الرأس امام امه أن أصدقاءه كانوا يعرفون انه بيت الحلوجى ولم يجرؤ واحد منهم رغم وجود الفرصة ان يقول الحقيقة التى خرجت كالسهم المسموم من فم حسن الليلة والليلة فقط ثم كيف يعرفون وهم فى عمره ولا يعرف هو قطعا أخبرهم أباؤهم اما هم فقد ضللته امه وضلله ابوه

أمه .. عايز أسألك سؤال ..

خرجت الكلمات ضعيفة مخنوقة خنقتها الدموع التى بللت صدره وأماتتها دقات الهون العالية فلم تسمعها امه ولم يعيدها هو لانه سمع صوتا آخر قويا واضحا كان يأتى من فوق من خلال الفروع الضخمة للشجرة العتيقة ربما كان صوت الفرع العجوز المشقق من المؤكد هو يعرف الحقيقة ..فعمره من عمر هذا البيت وهو لا شك رأى وسمع وبينما كان الصوت يهدر فى اذنه كان يرجع بفكره الى الوراء عامين .. او ثلاثة .. ورأى والده يجلس مع شيخ كبير وقور .. كان والده مكسوفا صوته العالى دائما خفيض عينه الواسعة مسبلة ضيقة رأسه الذى فى السماء ناء بحمل ثقيل .. ثقيل أناخه الى الارض والشيخ الكبير الوقور يقول : ما تبقاش صغير يا بو سعد دا انا ماليش حد فى الدنيا والخير كتير والحمد لله والواحد ما بيقعدش فى مكانين فى وقت واحد وما دام ربنا موسعها خليك أقله انك فاتح الدار بدال ما تسكنها العفاريت أهى ساكناه الملايكة

اذن فالشيخ الوقور هو الحلوجى صاحب البيت

وفجأة علا صوت سعد فغطى على صوت الهون : أمه .. مين هو الحلوجى ؟؟

فقالت وهى تسحب صدرها من فم اخته وتناولها لبنت أخيها وتجر طبق الكبيبة من أمامها

يووه جاتك الايه يا سعد .. حد ما يعرفش الحلوجى ؟ ده الراجل الطيب اللى فتح لنا بيته يوم ما جينا البلد دى ..

لله يامه ؟؟

امال لمين يابنى ؟؟ لله ربنا يهدى له صنعته ما بياخد ولا مليم من ابوك ..

فى هذه اللحظة فقط غاب القمر .. لم تحجبه الاوراق الكثيفة لشجرة التوت العتيقة ولا هذه الدموع الغزيرة التى ملأت عين سعد ولا هذا الغشاء الحزين الذى أحاط قلبه وانما حجبته هذه الحقيقة السوداء الاسود من الليل فالليل تمحوه اضواء القمر اما هذا السواد الذى غزى نفس وقلب سعد فلا يمحوه حتى ضوء النهار او لسعة الشمس فى قيظ أغسطس ..وتبخرت رائحة المرقة التى تفوح من الحلة النحاس الكبيرة فوق الكانون من انف سعد وقام منكسا مدلادلا الى كومة التبن فى ركن الدار ودفس نفسه فيها كحبة المانجو الخضراء الغير ناضجة التى كان يسرقها من شجرة محمد افندى ويأتى ليدسها فى البن ليستخرجها بعد أيام وقد نضجت

لعله كان يتمنى وقتها ان ينضجه التبن أو يختصر له سنين عمره او لعله اراد ان يدفن سنوات عمره السبعة فى التبن لتجف وتنكمش وتصبح ترابا تذروه الرياح هنا وهناك .... لا ليس هنا بل هناك فقط حيث البعيد بعيد جدا

الذى لا يراه ولا يراه احد من أصدقائه

سأل والده عما يملكه من مال

رغم ما كان يعرفه من ان والده لا يملك الا صندوق العطور الذى يحمله فى يده ويذهب به الى الجامع الكبير فى



اوقات الصلاة أو يجلس به امام دكانة والد احمد القماش فى السوق باقى الاوقات

الا انه أصر على السؤال لا ليعرف او يتأكد مما يعرفه ولكن ليفتح الباب لمناقشة ما انتواه مع والده

وقبل ان يتعجب الوالد من سؤال ابنه فاجأه سعد بقوله : آبا ان عايز أشترى حتة أرض أبنيها بيت ....

وضحك الوالد وهو يقول ..

معاك فلوس يا سعد علشان نشترى بيها الارض ... يابنى المثل بيقول على قد لحافك مدد رجليك واحنا بننام من غير لحاف .. بننام ركبنا عند دقننا زى الواد فى بطن امه .. مقنفدين ..

ولكن يبدو ان سعد كان قد قرر ان يكون له لحاف ولحاف طويل عريض لحاف من الحرير

فرغم ان شعره كان اصفرا وناعما كالحرير وبالرغم من عيونه الخضراء كعيون القطة وبالرغم من شقرته المتشربة بحمرة كأبناء التراكوة كما كان يطيب لأبيه ان يصفه وبالرغم من جرأته التى قلت وضحكته التى ماتت وبالرغم من عين الحاج منصور التى أصبحت تلمحه فى اليوم أكثر من مرة ليس هذا فقط وانما تطاولت يده لتفرك أذنه حتى كادت تدميها وبالرغم من انه اصبح فى الصف الثانى من المرحلة الابتدائية وانه حفظ انشودة قطتى صغيرة واسمها نميرة من اول مرة بالرغم من كل هذا وبالرغم من معارضة والده وخاله فقد اشترى بفلوس العيدية قفصا من جريد النخل وعلبة طوفى ونصف كيلو لب وكيلو فول سودانى وهجر اللعب مع أصدقائه وقرر ان يبيع لهم الحلوى والسودانى فى اوقات الفراغ

كان ابوه يجلس امام الجامع بصندوق العطور وهو يقف امام المدرسة ليبيع الحلوى لتلاميذ الفترة المسائية بقفصه الجريد ..

ويبدو ان غريزة الامتلاك أقوى من كل الغرائز الاخرى فى الانسان فسعد كل همه اصبح محصورا فى ان يملك بيتا .. بيتا اجمل من بيت الحلوجى .. يستطيع ان يضع الطفل من أصدقائه قدمه عليه ويتحسسه فى الليالى المقمرة والغير مقمرة ويقول بيت العطار بالفم المليان ويسمعها سعد وتطول رقبته وتنفرج أساريره ويضحك له القمر وتزفه النجوم

نعم لابد ان يضحك القمر ويعود هذه العروسة الجميلة وسط هذا الجمع الكبير من النجمات الصغيرة حتى اذا كان هذا البيت بيت العطار ابو سعد فى وسط أرض كانت خرابة .. وحتى اذا كان من حجرة واحدة سقفها من الحطب وفلق النخيل وحتى اذا تبدلت سقسقات البلابل على شجرة التوت العتيقة بهذا الزن والطنين المتواصل لجوقة الناموس المتوحش الذى يمص دم سعد وابو سعد وهما راقدان يرجفان من البرد وقد انكمش كل منهما فى حضن الآخر يحرسان شكاير الاسمنت والطوب والرمل خارج الحجرة .

نعم لابد ان يضحك القمر ولابد للشمس ان تكون باردة برودة ندى الفجر حتى ولو كانت شمس مايو ولابد ان يكون للمذاكرة طعم وهو يجلس فوق الحائط الصغير الذى يبلغ طوله المتر الحائط البرعم حائط سعد او حائط العطار طعما ألذ من ذلك الذى كان يحسه وهو جالس تحت التوتة فى ذلك البيت الآمن الذى تحيطه البيوت والامان من كل الجهات ..

نعم ولابد ان يمتلئ صدره بالأمن والأمان بالرغم من هذا الخراب والصمت الذى يحيط بالبيت من كل الجهات وبالرغم من هذا الأزيز المستمر للصراصيروهذا النقيق المتواصل للضفادع التى تسكن الساقية القريبة التى كانت تنهاه امه ان يذهب اليها والا اختطفته الجنية التى تسكنها أو " القطشة " وتبتلعه ..

والقطشة هذه ليست الا اخت حسن الكبرى وحفيدة زهرة تلك الفتاة الجميلة ذات قصة الشعر التى تغطى جبهتها العريضة وتظلل عينيها السوداوين الواسعتين والتربيعة ام قوية ذات الترتر والخرز .. والضفيرة الطويلة المجرجرة على الارض وراءها كأنها حارس متطوع بحراسة هذا الجمال الذى يمشى على الارض بقدمين كعوبها تظهر عليها آثار الحنة وساقاها ملفوفتان .. مقلوظتان .. كرجل الطبلية الافرنجى او رجل الكنبة الاستانبوللى ..

وهى لم تكن تسمى القطشة بالطبع ولكن كان اسمها سعاد وظل اسمها سعاد حتى ضبطوها فى حضن أحدهم خلف سور السلخانة والدم بخضب ذيل سروالها الستان الاخضر فى هذه اللحظة فقط وبعد أن أطارت السكين رقبتها الجميلة المرمرية ودفنتها يد أبيها خلف السلخانة ورمت بالجسم الطرى اللذيذ فى قاع الساقية فى هذه اللحظة فقط واللحظات التالية وبعد ان طفت بعد أيام رمة منفوخة نتنة بدون رأس أصبح اسمها القطشة ..

ولكن مرحبا بموسيقى الضفادع والصراصير ومرحبا بالقطشة هانم وتأتى أهلا وسهلا بها فانما تأتى ان أتت فى بيت العطار ابو سعد

وحتى سعد من صالحه ان تأتى القطشة من الساقية لتعرف انه أصبح يملك بيتا تماما كما يملك جدها مائة نعجة .. لا شك انها قتلت وهى تعرف عكس ذلك تعرف ان البيت الذى يسكنه العطار ليس بيت العطار ولا هو حتى يدفع ايجارا للحلوجى وانما يسكن هكذا لوجه الله ..

وتمنى سعد من كل قلبه ان تأتى القطشة وأن يبعث كل أموات الشارع بل أموات البلدة والبلاد المجاورة زان يأتى الصبية وأصدقاء الدراسة .. وكل واحد اشترى منه بتعريفة طوفى او بقرش فول سودانى أن يأتى كل هؤلاء ليشهدوا هذا البيت الضيق الواسع .. الطويل القصير الاربعة حجرات وصالة وهو حجرة واحدة وفسحاية بيت العطار ابو سعد وكل هذه الحيطان المحيطة بالاربع جهات هى حيطان دار سعد العطار ..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق